ابن حزم
326
رسائل ابن حزم الأندلسي
لا يقنع بشيء دونها لطمعه فيها ، ولكن الذي لا يؤمن بها أي لا يطمع فيها لا يحس بها أصلا ، وترى المسلم يحب ابنة عمه حبا مفرطاً على قدر طمعه في أن تصير اليه بينما نجد النصراني الذي لا يحق له الزواج من ابنة عمه لا يحس نحوها بشيء إطلاقاً ، وترى هذا النصراني نفسه يعشق أخته من الرضاع بينما لا يحس المسلم بعاطفة نحوها لقلة طمعه فيها . ومعنى ذلك أن هذه الظاهرة الانسانية التي تسمى " الحب " ليس لها وجود إيجابي - في رأي ابن حزم - إلا عندما يدفعها الطمع إلى الوجود فتوجد وتتشكل وتصبح فعالة في حياة صاحبها . ولا يقتصر الطمع على توجيه الحياة الاجتماعية نحو الخير بل هو سبب للشر ، وهو يدعو صاحبه إلى الذل ، وهو الذي يحرك في الأفراد الأنانية العمياء حتى ليجعل بعض الناس يفضل نفسه على نفوس الآخرين في سبيل الحصول على ما يحدوه الطمع إليه . فإذا كان الطمع بهذه القوة في حياة الأفراد فمن الطبيعي أن ينشأ عنه " الهم " وهو الظرف السالب في محور الحياة الاجتماعية . ويصف ابن حزم جميع أدوار الحياة ومظاهرها بأنها محاولة لطرد الهم ، وأن الناس جميعا يتفقون في هذه الغاية سواء في ذلك المتدين ومن لا دين له ، والخامل والزاهد والفيلسوف العازف عن اللذات وغيرهم . فطالب المال يكد في سعيه ليطرد " هم الفقر " ، والساعي وراء الشهرة يجري إليها ليطرد " هم الخفاء والخمول " ، والراغب في اللذة يطلبها ليطرد " هم الحرمان من اللذة " . وقل مثل ذلك فيمن أكل وشرب وتزوج ولعب ، فإن من يقوم بهذه الأمور إنما يحاول طرد الهم الناشئ عن أضدادها . ولكن المنافسة في هذه الأمور تخلق هموماً جديدة كطعن حاسد أو ذم ذام . أما الشيء الذي يقتلع الهم من جذوره دون أن يثير بين عناصر المجتمع هماً جديداً فهو التوجه إلى الله تعالى ، فتلك هي